جامع القرويين بفاس: صرح علمي شامخ في عهد الأدارسة وقلب الحضارة الإسلامية النابض
الوصف: رحلة تاريخية متكاملة لبناء جامع القرويين في عهد الدولة الإدريسية، استعراض دوره المحوري في تأسيس أول جامعة في العالم، وتحول فاس إلى منارة للعلم والفكر الإسلامي في المغرب والعالم.
في قلب مدينة فاس العتيقة، وفي زمنٍ كانت فيه أوروبا تغرق في ظلام العصور الوسطى، كان الأدارسة يرسخون لحضارة نورانية بأرض المغرب. وسط هذا السياق، قامت السيدة فاطمة الفهرية بتشييد مسجد القرويين عام 245هـ (859م)، ليكون أكثر من مجرد مكان للعبادة، بل ليتحول إلى منارة للعلم، وجامعة ناطقة، ومؤسسة تعليمية حفرت اسمها بأحرف من ذهب في سجلات التاريخ. هذا الصرح الطيني المبارك، استطاع أن يصنع علماء كبار وأعلام أجلاء، وأن يطبع هويته على فكر الغرب الإسلامي، ليظل شاهدًا على عظمة الأدارسة وحضارة المغرب الأصيلة. قبل الخوض في تفاصيل بناء القرويين، لا بد أن نُلقي نظرة على تأسيس أول دولة إسلامية مستقلة في المغرب على يد الأدارسة، فهذا السياق هو الذي أتاح لكلمات مثل “العلم” و”البناء” أن تزدهر في ربوع فاس.
فاطمة الفهرية: سيدة العلم والإيمان في عصر الأدارسة
قصة بناء القرويين تبدأ مع عائلة مهاجرة من القيروان، هي عائلة الفهريين، التي وفدت إلى فاس طلبًا للاستقرار والأمن في ظل الدولة الإدريسية الفتية. بعد وفاة رب الأسرة محمد الفهري، ورثت ابنتاه فاطمة ومريم ثروة طائلة. فبينما شيّدت مريم مسجد الأندلس على الضفة الأخرى لوادي فاس، تبرعت فاطمة بمالها كله لبناء مسجد على أرض اشترتها خصيصًا داخل حي القرويين. تميزت فاطمة – رحمها الله – بعلمها وورعها وزهدها، فأشرفت بنفسها على تفاصيل البناء، وكانت تخلط التراب بيديها بجانب العمال، وتطلب أن يكون كل حجر في مكانه رمزًا للتقوى والعلم. لقد أتاحت فاطمة الفهرية من خلال وقفها الخالص، تحويل هذا المكان من مجرد خلوة روحية إلى قطب من أقطاب العلم في العالم الإسلامي، ليكون إرثها عبر القرون نبراسًا لكل مسلم، لا سيما المرأة المسلمة التي أثبتت أنها قادرة على قيادة النهضة الحضارية.
ولادة فكرة الجامعة الأولى في التاريخ
تزامن بناء القرويين عام 859م مع فترة ازدهار فكري حرص عليها حكام الأدارسة، الذين جعلوا من فاس عاصمة لعلماء الفقه والحديث. فبدءًا من الحلقات البسيطة، تطور المسجد بسرعة ليصبح “الجامعة القروية” (Qarawiyyin University)، المعترف بها من اليونسكو وموسوعة غينيس كأقدم جامعة في العالم لا تزال تمنح الشهادات. هذا التحول يعكس وعيًا مبكرًا بأهمية التعليم المنهجي الذي يتجاوز الحفظ إلى التحليل والاستنباط، وهو ما جعل من القرويين نموذجًا فريدًا في تاريخ التعليم العالي.
منهجية التدريس والتخصصات: ملامح الجامعة الإسلامية المبكرة
طورت القرويين نظام “الحلقات الدرسية” (Circles of Knowledge) الذي يشبه النظام الجامعي الحديث. كان كل أستاذ متخصصًا في مجال معين، وتستمر الحلقة أحيانًا أيامًا متتالية. كان الطالب يقرأ مؤلفاته أمام الأساتذة والزملاء، فإذا أجاد نال “الإجازة” (الشهادة). من أبرز تلاميذ القرويين: ابن بطوطة، ابن خلدون، ابن رشد، والقاضي عياض. هذا النظام جعل العلم متاحًا للجميع بغض النظر عن الجنس أو الوضع المادي، فكانت القرويين بحق “جامعة الشعب”.
شروط الالتحاق والتخرج: معايير صارمة تشبه طلب الإعفاء الأكاديمي
- حفظ القرآن كاملًا – قاعدة أساسية للعلوم الشرعية واللغوية.
- إتقان اللغة العربية (نحوًا وصرفًا) – أداة الفهم والتفكير النقدي.
- خطاب توصية من عالم مجاز – فالدخول إلى القرويين يحتاج إلى ضمان علمي وأخلاقي.
- امتحان شفوي أمام لجنة من أساتذة فاس – لاختبار الجدارة الحقيقية.
التنظيم الهندسي والعمراني: تحفة فنية إسلامية متطورة
بمساحة تقارب 4000 متر مربع وطاقة استيعابية تصل إلى 22 ألف مصلٍ، تعكس القرويين تطور العمارة الإسلامية عبر العصور (إدريسية، مرينية، سعدية). تزين الجامعة زخارف جبسية بديعة، ونقوش بالخط الثلث والكوفي، ونوافير وضوء أندلسية، وساعة ماء شهيرة، ومكتبة أسسها السلطان المريني أبو عنان فارس (1348م) تحتوي على آلاف المخطوطات النادرة، أشهرها “المخطوط الأزرق” من القرن التاسع الهجري. إنها ليست مجرد جامعة، بل متحف حي للفن والعمارة الإسلامية.
الآثار الحضارية والعلمية على المغرب والعالم
لأكثر من 1100 عام، كانت القرويين جسرًا حضاريًا بين الشرق والغرب. قصَدها طلاب من أوروبا لدراسة الطب والفلسفة، ثم نقلوا مفاتيح النهضة إلى بلدانهم. كما جعلت من فاس قبلة للعلماء من أفريقيا جنوب الصحراء، ناشرين الإسلام والمذهب المالكي بمحبة وسلام. ورغم تحول نظام الحلقات إلى مناهج حديثة في ستينيات القرن العشرين، بقيت القرويين جامعة رسمية تمنح الماجستير والدكتوراه في العلوم الشرعية والقانون، لتظل المشعل الذي لا ينطفئ.
خلاصة: القرويون تراث الأدارسة الخالد وجسر الحضارات
بناء القرويين على يد فاطمة الفهرية ورعاية الأدارسة له لم يكن مجرد إنجاز معماري أو ديني، بل تأسيس مشروع حضاري اختصر المسافة بين المغرب والعالم. أثبتت القرويين أن المسجد يمكن أن يكون منارة للعلم، وأن المرأة قادرة على قيادة نهضة علمية بأخلاق العطاء والإيمان. اليوم، تبقى القرويين حية في وجدان المسلمين، مقصدًا لكل من يريد استنشاق عبق الحضارة الإسلامية الأصيلة، ومثالاً حيًا على كيف تنتج السياسة الحكيمة فكرًا متقدمًا يخدم الإنسانية جمعاء.
